
مواصن سوري سابق
التاريخ 22/08/2005 7:00:00 | القسم : *****
| نقلاً عن موقع سيريا نيوز سيرة ذاتية : ولدت ابان نكسة حزيران في قلب العروبة النابض دمشق و بعد الصدامات بين الجيش السوري و القوات الأمريكية في لبنان في العام أربعة و ثمانين نلت شهادة البكالوريا بترتيب متقدم على مستوى القطر و قبلت في كلية الطب البشري مع أنني كنت مهووساً بالالكترونيا
و لصدمتي و دهشة الآخرين نجحت في نيل قبول جامعي و سمة دخول الى الولايات المتحدة الأمريكية , لم يستطع والدي الأستاذ الجامعي تزويدي بغير أجرة الطريق و خمسة ألاف دولار و كمية هائلة من النصائح و التوصيات و حب الوطن ,( لم يتمكن من وضعي تحت الاشراف لأن رفض انشاء علاقات تبادل منفعة غير شرعية هو ميزة عائلية ) , عملت نادلاً في مطعم و أمين صندوق في سوبر ماركت و سائق تاكسي خلال دراستي للعلوم الأساسية في ايلينوي , حصلت على منحة دراسية أمريكية لتفوقي و أكملت الماجستير و الدكتوراة في هندسة الاتصالات من جامعة ستانفورد , زرت الوطن مرتين الأولى عام واحد و تسعين عندما توفي والدي و الثانية في العام خمسة و تسعين عندما اقترنت بفتاة سورية لتحقيق حلم و الدي و تبديد هواجس والدتي , عملت في عدة شركات كبرى و حصلت على جنسية أميركية و على ما اعتبرته ثروة مقبولة قبل عودتي الى الوطن لدى بلوغ ابنتي الكبرى سن المدرسة في العام ألفين وواحد ( في الواقع فانني ركبت موجة التفاؤل التي سادت أنذاك ) حيث اشتريت بمبلغ اعتبرته فلكياً منزلاً في مشروع دمر و سيارة موديل واحد و ثمانين و مكتباً صغيراً و أحلاماً كبيرة بمستقبل البلد الذي احتوى طفولتي و مراهقتي و رفات أبي و أحلامه و غرس في روحي ثقافته و رائحة النرجيلة و عبق الياسمين في حاراته العتيقة الأليفة .
كنت أدرك تماماً ( رغم غبائي الذي أكتشفته لاحقاً ) انني لا أملك شبكات العلاقات و لا المرونة و الوصولية ( يدعونها الدبلوماسية ) التي يمتلكها سواي لكنني في رهاني على العمل في بلدي و اختصاصي كنت أفترض ان الآخرين سيضطرون لشراء المعرفة و الخبرة التي لدي من الخارج لعدم وجودها في الداخل بمبالغ كبيرة جدا ً( لا تقل قيمتها عن خمسين بالمئة من اجمالي التعاقد ) مما يسمح لي بالمنافسة في كل المشاريع التي سأتقدم لنيلها لأنني على استعداد لبيع خبرتي و معرفتي لوطني لقاء مقابل بسيط هو تربية بناتي في البلد الذي ولدت فيه وولد فيه والداي .
ثلاثة أعوام مرت لم أتمكن خلالها من انجاز أي شيىء , كانت سنوات عبث و عجز مطلق , العقود يتم اعدادها و توزيعها بحسب الأنظمة المركبة سلفاً لانجاز العمل بالطريقة السورية الخاصة التي تسمح بأقصى درجات الفساد ضمن أعلى درجات الانضباط القانوني و الاداري بل ان النظم الادارية ذاتها تهدف الى حماية الفساد و المفسدين , و الى جعل كل أنواع القيمة المضافة مثل المعرفة أو الخبرة أو القدرة على التحليل و التنظيم و انشاء فرق العمل وووووو عديمة المعنى في منافسة أسماء , أسماء فقط لها بريقها السحري الذي يتيح لها الحصول على التعاقدات بسلاسة و شروط محسوبة كانت و لا زالت تثير دهشتي .
بعد ثلاثة سنوات من المحاولات تيقنت أن المعادلة الأساس التي بنيت عليها قرار العودة ( خمسين بالمئة قيمة الخبرة ) هذه المعادلة الرياضية عاطلة عن العمل في بلدي حيث يتم ترسية العطاء بحسب و بسبب الأنظمة و القوانين بأربعمئة بالمئة من قيمته عندما يتقدم لهذا العطاء الشخص المناسب و طبعاً هنالك دائماً شخص مناسب .
بدأت أشعر بالفشل المستعصي و أحس أنني شخص غبي و فاشل رغم ان حياتي كلها كانت سلسلة من الكفاح و النجاحات فأرسلت سيرتي الذاتية الى صديق أمريكي في دبي و خلال ثلاثة أسابيع فقط حصلت على عقد عمل بستة و ثلاثين ألف درهم شهرياً , و في أخر ليلة لنا في دمشق طلبت زوجتي أن نطلع الى أعلى قاسيون كما كنا نفعل قبيل زواجنا ففعلنا , مشينا على السفح لم نتبادل كلمة واحدة , بكت زوجتي بحرقة أما أنا فالتزمت الصمت لأمنع الدموع التي تغلي في مقلتي من النزول .
في دبي استعدنا ضحكاتنا و بسمات بناتنا و احساسنا بالنجاح و بسمو انسانيتنا , لكن دموع قاسيون ظلت تؤرقني , و ظللت سراً أنكأ ذلك الجرح المسمى وطني عبر بوابة تدعى سيريانيوز , ذات مساء قرأت في الموقع تصريحاً لرجل أعمال سوري عن مشروع VOIP قرأت المقال و التعليقات و قمت بحسابات بسيطة فأحسست بدموع قاسيون تغلي في مقلتي من جديد و شعرت زوجتي ان شيئاً ما يحدث فابعدتني عن الشاشة و عرفت ما كنت أقرئه , و بعد صمت قصير قالت لي اسمعني جيداً , يجب أن تتعامل مع كافة الأمور الخاصة ببلدنا باعتبار نفسك مواطناً سورياً سابقاً, لدينا جواز سفر أمريكي و اقامة في دبي دعنا نعيش , فاجأني تعبير مواطن سابق فسألتها من أين اتت به , فقالت اخترعته و نحن على قمة قاسيون .
عزمت أن أفعل ما قالت الى أن قرأت مساء البارحة للرائع نضال معلوف ( من أجل حفنة من الدراهم وداعاً سورية ) تخيلت وليد يودع طفلته و فكرت ببناتي و بتجربتي السورية و كم كنت محظوظاً و كم و كم و كم , لم أتمالك نفسي انفجرت دموعي كما لم يحدث من قبل و انفجرت أشياء كثيرة في داخلي , خرجت من نوبتي الجنونية لأجد زوجتي تنظر الي بهلع و حرقة قائلة يجب أن تستخدم بروكسي لحجب هذا الموقع , فقلت بل سأكتفي ببروكسي يحجب دموعي .
لم أستطع النوم كانت ثلاثة مقالات تتراءى لي كثلاثة نقاط في نجمة خماسية ناقصة بحاجة لمقالين أخرين لتكتمل نجمة علمنا الجميل و ليكون لعذابي و عذاب وليد و عذاب الكثيرين معنى في وطن لا يمكن له أن يصبح سابقاً ولو أرادت زوجتي ذلك :
1- المقال الأول في سيريا نيوز يقتبس تصريحاً للسيد الرئيس مضمونه أن لم يعد هناك فساد من رتبة وزير فصاعداً , تذكرت الدكتور بشير المنجد وزير التقانة كنت أعرفه جيداً و أعرف تماماُ أنه رجل نقي نظيف اليد و اللسان ,عالم حقيقي أستاذ و رجل أعمال نموذجي كان يحب أن يدعو نفسه عن حق شيخ الكار ( بالنسبة للعاملين في مجال البرمجيات ) , لكنه في الوزارة يلتزم القوانين و الأنظمة , فكرت أنه لا يكفي أن يكون الوزير ادارياً نزيهاً عليه أن يكون رجل القرار السياسي أي القرار الذي يحقق المصلحة العامة بغض النظر عن القواعد و الأصول فتلك مهمة و اهتمام الموظفين و ليس الوزراء , وويل لبلد وزرائه موظفون .
2- و المقال الثاتي في سيريا نيوز أيضاً و هو الذي ذكرته سابقاً عن موضوع VOIP نقلاً عن تشرين الجريدة الرسمية يقول فيه السيد فراس بكور حرفياً :
( أخذنا الدقيقة بـ 6 سنتات.. فنحن حتى لو أضفنا - على سبيل المثال- ما يقارب ستة سنتات أخرى كهامش ربح أوحتى وصلنا إلى 16 سنتاً (أي بفارق 2 سنت عن الأسعار العالمية)، سنكون قادرين على استقطاب جميع الدقائق من المشغلين غير النظاميين الذين يدفعون 18 سنتاً للدقيقة )
و يقول أيضاً : إننا منذ الآن تعاقدنا مع بعض الشركات لتمرير ما مجمله 120 مليون دقيقة حتى الآن.. إذاً، نحن منذ الآن بدأنا بتحصيل أرباح.
اذاً : السعر العالمي هو ثمانية عشر سنت للدقيقة و السيد بكور يعترف بذلك و كل من له علاقة بهذا المجال يعلم أن ارباح المشغلين لا تزيد في أي مكان في العالم عن اثنين سنت و في بعض الحالات تصل الى أجزاء من السنت و لنفرض أن المؤسسة كلاعب جديد بحاجة الى كسر السعر فان بامكانها البيع بخمسة عشر سنتاً و بأسوأ الحالات بأربعة عشر سنتاً و ثابت أن البيع لم يكن مسألة معقدة بدليل أن السيد بكور و شركة ريتش تيليكوم – غير المعروفة - تمكنوا قبل بدء المشروع من بيع مئة و عشرين مليون دقيقة .
وهنا اليكم الأسئلة و الحسابات التي هيجت عندي دموع قاسيون : لماذا اهتمت المؤسسة بعدد الدقائق التي تبيعها و ليس بالمبلغ الذي ستحصله ببساطة هذه هي الثغرة القانونية التي تفذ منها الفاسدون بالتأكيد رقم مئة و سبعين مليون دقيقة لا يمكن منافسته و لكن أصغر صاحب دكان يهتم بما يدخل جيبه من أرباح و ليس بما يبيعه من بضائع لو طرحت المؤسسة دقائقها بسعر أربعة عشر سنتاً للبيع لباعت على الأقل مئة و عشرين مليون دقيقة كما هو ثابت بتصريح السيد بكور و لبلغ دخلها السنوي عشرة مليارات و تسعمئة و سسبعة ملايين ليرة سورية , أما ما ستحصل عليه الأن من بيع مئة و سبعين مليون دقيقة فهو ستة مليارات و ستمئة و سبعين مليون ليرة سورية . و السيد بكور يتباهى بذلك عندما يقول مؤكداً :
( فلنفترض بأننا لن نستطع تمرير أكثر من 120 مليون دقيقة إلى داخل سورية.. فسيتوجب علينا دفع ثمن 50 مليون دقيقة لإتمامها إلى الـ 170 مليون دقيقة.. والآن لو احتسبنا بأننا سنضع هامش ربح في كل دقيقة 5 سنتات، فسيكون ربحنا في الـ 120 مليون دقيقة الأولى 600 مليون سنت.. ما سيمكننا من تسديد ثمن الـ 50 مليون دقيقة المتأخرة، ويزيد هامش أرباحنا) .
فالفارق بين الحالة الأولى التي نفذت فعلاُ و الثانية التي كان يفترض تنفيذها هو فقط أربعة مليارات و مئتين و سبعة و ثلاثين مليون ليرة سورية لا غير .
3- اما المقال الثالث في سيريانيوز الذي فجر جنون البكاء لدي فهو مقال الرائع نضال معلوف من أجل حفنة دراهم وداعاً سورية لقد حسبت ببسساطة كم ( وليد) يمكن لنا أن نتركه مع أطفاله في حال تدخل السيد وزير التقانة و أوقف المهزلة المذكورة سابقاً و أعاد لخزينة الدولة حقوقها بكل بساطة عندها تستطيع سوريا منح سبعة و خمسين ألفاً و مئتان و خمسين شخصاً ( مثل وليدً ) مبلغاً شهرياً مقداره خمسة ألاف درهم و هم يعملون بوطنهم و لوطنهم و دون أن يودعوا بناتهم , هل كان غريباً أن أبكي !!!!
4- أما المقال الرابع : فهو هذا المقال : لم أكتب في حياتي مقالاً و لم يخطر لي أبداً أن أفعل لكنني لم أستطع النوم و النجمة الخماسية الناقصة تتراءى لي .
5- أما المقال الخامس : فهو الذي أنتظره لأشعر أن لحب الوطن الذي يرفض أن يموت في داخلنا مهما فعلنا و مهما حاول الفاسدين قتله , أن لهذا الحب أملاً في أن يكون ذات يوم بسمة و ليس جرحاً لأجل بناتي و بنت وليد و أبناء نضال معلوف و أبناء كل السوريين أرجو أن يتدخل السيد وزير التقانة بقرار سياسي يوقف هذا النهب المقونن لأصحو على مقال خامس يكمل نجمة العلم الحبيب الخماسية بعنوانه الساطع :
وزير التقانة السوري يستعيد للخزينة مبلغ أربعة مليارات و مئتين و سبعة و ثلاثين مليون ليرة سورية لا غير .
د. هشام . ح
مواطن سوري سابقأً و حالياً ولاحقاً
من مساهمات القراء
|
|